أحمد الصاوى يكتب: صنَّاع الإرهاب والكراهية الذين لا يطاردهم أحد

7

 

 

– كيف حوَّلت السياسات الغربية الظالمة «الأخوان كواشى» إلى إرهابيين محترفين

– تفاصيل 10 سنوات بين جريمة «سجن أبوغريب» والهجوم على المجلة الفرنسية تكشف أسباب انتشار الإرهاب فى أوروبا

– برامج الدمج الفرنسية باتت عاجزة عن إلحاق المهاجرين والمهمَّشين بقيم الجمهورية.. وضمهما لمشروع وطنى يدعم المواطنين من غير الأصول الفرنسية وينتصر لهم فى مواجهة خطاب يمينى اتسم بالعنف

 

 

قبل خمسة أعوام وبعد أيام من الهجوم الإرهابى الدامى على مجلة «شارلى إيبدو» نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية، عن رحلة الأخوين شريف وسعيد كواشى، منفذى الهجوم على المجلة الفرنسية، لا يلفت نظرك فقط مستوى العمق ودقة المعلومات وما تتخيله من جهد لجمع هذه المعلومات وتضفيرها فى أكثر من خمسة آلاف كلمة، تتحول، بما تحتويه من معلومات وزوايا ومحاور، إلى بحث تاريخى حول أسباب انتشار الإرهاب فى أوروبا، بين الشبان الأوروبيين المولد والنشأة.

لا تجد فى التحقيق جملة معادة أو مكررة، أو تلك الأكليشيهات الثابتة فى التعامل مع القضية وأبطالها، لا تحد أوصافاً وأحكاماً، لا تجد تهميشاً لسبب لصالح سبب، ولا تركيزاً على صورة فى مقابل صورة.

يبدأ التحقيق بلحظة تحول فى حياة الشاب الفرنسى شريف كواشى، الذى كان يبلغ من العمر ٢١ عاماً حين حدث الغزو الأمريكى للعراق، وبعد عام واحد من هذا الغزو ظهرت صور انتهاكات وتجاوزات سجن أبوغريب التى فضحها جنود أمريكيون بالمناسبة، وفضحتها الصحف الأمريكية قبل غيرها.

بتعبير «نيويورك تايمز» لم يتحمل الشاب هذه الإهانات التى يتعرَّض لها المسلمون، فبدأ التفكير من هذه اللحظة فى أن يكون مجاهداً.

الصحيفة الأمريكية وهى تضع الجرائم الأمريكية فى العراق كأحد الأسباب الرئيسة لصناعة الإرهابى شريف كواشى، لم ينتقدها أحد، أو يدَّعى عليها «الوطنيون الأمريكيون» أنها تساند الإرهاب فى وقت تحارب بلادهم الإرهاب فى كل مكان.

قبل الغزو الأمريكى للعراق، كان «شريف» مجرد عامل توصيل بيتزا يسعى للانخراط والاندماج فى المجتمع الفرنسى، وفى الوقت نفسه يسعى ليكون مسلماً عادياً يؤدى طقوسه ويصطدم أكثر من مره بالدولة الفرنسية وصرامة مؤسساتها، والأهم سياسات بعض حكوماتها التى ألقت به على جانب جنته واقعاً بين مطارق الفقر والتهميش، والمطاردات العنصرية المهينة من اليمين الفرنسى، ومحاولات الاستقطاب التى جعلت الدين على فقه المتشددين طريق الخلاص.

١٠ سنوات فقط من لحظة «أبوغريب الحاكمة» تحوَّل فيها «شريف» وشقيقه إلى إرهابيين وتوَّجا جهودهما فى تعلُّم استخدام السلاح والتفجير والسفر للتدريب فى الخارج ومناورة أجهزة الأمن، بارتكاب جريمة «شارلى إيبدو».

التحقيق الذى يقترب من بطليه إنسانياً، راصداً محطات حياتهما بدقة، يطرح أيضاً أسئلة منطقية حول حياة كثير من المسلمين والمهاجرين المهمَّشين فى فرنسا، حتى لو كانوا مثل «شريف» من مواليد البلاد، لكن برامج الدمج الفرنسية باتت عاجزة عن إلحاقهما بقيم الجمهورية، وضمهما لمشروع فرنسى وطنى يدعم المواطنين من غير الأصول الفرنسية، وينتصر لهم فى مواجهة خطاب يمينى ترجمته حكومات سابقة فى صورة سياسات مواجهة اتسمت بالعنف فى بعض الأحيان.

تضع الصحيفة الأمريكية أيديها على أسئلة مباشرة حول مدى كفاءة أجهزة الأمن الفرنسية، خاصة أنها سبق ورصدت الأخوين ومن قام بتجنيدهما، وسبق لها احتجازهم، ثم وضعهم تحت المراقبة، لكن تلك المراقبة جرى إيقافها قبل الحادث ببضعة أشهر، أيضاً سياسات أماكن الاحتجاز التى كانت مكاناً للتوسع فى تجنيد شريف كواشى، وخروجه أقرب لـ«القاعدة» ورجلها فى فرنسا.

الإرهاب لا تصنعه فقط التنظيمات الإرهابية بقدرتها على استقطاب الشبان، لكن وراء هذه القدرة فشل موازٍ من السلطات التى يتسرَّب هؤلاء الشبان من تحت أيديهم، فى إدارة الواقع الاجتماعى القائم على التنوع من جانب والدفاع عنه، وفى محاربة الفقر وفتح أبواب الأمل أمام الناس، والأهم ذيوع نماذج الظلم الصارخ الذى لا تسرى عليه قيم العدالة والمحاسبة الأوروبية، ويصبح التفكير فى العنف حلاً وحيداً لرد هذا الظلم.

لا يمكن الحديث عن مكافحة الإرهاب فقط بإعادة النظر فى الخطاب الدينى الذى يجنح بالمؤمنين به نحو العنف، لكن غ بسياسات أخرى تحتاج تعديلاً واعتذاراً وضبطاً والتزاماً بنوازع الأخلاق والعدالة وحقوق الإنسان.

كم إرهابياً غير «شريف» صنعته صور «أبوغريب» وغير «أبوغريب» فى حروب يعرف العالم كله أنها تفتقر لأى مبرر أخلاقى؟ كم إرهابياً صنعته ممارسات الاحتلال فى فلسطين التى تبقى بعيدة عن العدالة والحل والمحاسبة؟ كم إرهابياً صنعته سياسات التهميش والإفقار والتنميط والتوسع فى الاشتباه، ومنطق من ليس معنا فهو علينا، والسيئة تعم؟

كم تحقيقاً مثل ما نشرته «نيويورك تايمز» يمكن أن يحلل كيف صار أناس عاديون إرهابيين، بهذه الدقة فى المعلومات والشمولية فى النظرة، والوضوح فى تعليق الأجراس فى رقاب القطط ذات الصلة، دون شعارات وأكليشيهات واتهامات وديباجة إنشائية تحمل فى طياتها شبهات الانحياز والتلفيق.

للإرهاب صنَّاع كُثر، أغلبهم لا يطاردهم أحد.

 

المقال نقلاً عن جريدة صوت الأزهر

Leave A Reply

Your email address will not be published.