“منع الانتحار” يتصدر اهتمامات الاحتفال باليوم العالمي للصحة النفسية

كتب- نبيل عمران البيات

تحيي منظمة الصحة العالمية يوم 10 أكتوبر كل عام “اليوم العالمي للصحة النفسية”، وياتي الاحتفال هذا العام 2019 تحت شعار “تعزيز الصحة النفسية، والوقاية من الانتحار” ، حيث يهدف إلى زيادة الوعي حول قضايا الصحة النفسية، والعقلية في جميع أنحاء العالم، والتعريف بمخاطر التوتر النفسي، وعلاقته بالأمراض الأخرى، وحشد الجهود لدعم الصحة النفسية والعقلية.

والموضوع الرئيسي لهذا العام هو منع الانتحار. ففي كل عام، يودي ما يقرب من 800 ألف شخص بحياتهم، وأن هناك شخصا يفارق الحياة كل 40 ثانية، إلى جانب عدد أكبر بكثير من الأشخاص الذين يحاولون الانتحار. وتمثل كل حالة انتحار مأساة تصيب الأُسر والمجتمعات المحلية والبلدان قاطبة بما لها من تداعيات طويلة الأمد على أولئك الذين يتركهم المنتحرون وراءهم.

ويحدث الانتحار على مدى العمر، وهو ثاني الأسباب الرئيسية للوفاة في أوساط من تتراوح أعمارهم بين 15 و29 عاما على نطاق العالم، وكان أول احتفال بهذا اليوم عام 1992، بناء على مبادرة من الاتحاد العالمي للصحة النفسية.

وتشير تقارير منظمة الصحة العالمية، إلى أن عدد البلدان التي لديها استراتيجيات وطنية لمنع الانتحار قد ازداد خلال السنوات الخمس المنقضية منذ صدور تقرير المنظمة العالمي الأول بشأن الانتحار. إلا أن العدد الإجمالي للبلدان صاحبة الاستراتيجيات، الذي لا يتجاوز 38 بلدا، لا يزال ضئيلا للغاية وعلى الحكومات أن تلتزم بوضع مثل تلك الاستراتيجيات.

ومن جانيه، أشار الدكتور “تيدروس أدحانوم غيبريسوس” المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، إلى أنه رغم التقدم المحرز، مازال هناك شخص يفقد حياته كل 40 ثانية جراء الانتحار. وتمثل كل حالة وفاة مأساة لأسرة الفقيد وأصدقائه وزملائه. ورغم ذلك، فإن منع حالات الانتحار أمر ممكن. ونناشد جميع البلدان أن تقوم بشكل مستدام بإدراج استراتيجيات مثبَتة لمنع الانتحار ضمن برامجها الوطنية في مجال الصحة والتعليم.

وكشفت الإحصائيات الدولية، أن المعدل العالمي الموحد حسب السن للانتحار عام 2016، بلغ 10.5 لكل 100 ألف شخص، بيد أن المعدلات تباينت بين البلدان، من 5 وفيات بالانتحار لكل 100 ألف، إلى أكثر من 30 لكل 100 ألف شخص. وفي حين أن نسبة 79% من حالات الانتحار في العالم وقعت في البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط، فقد سجلت البلدان المرتفعة الدخل أعلى المعدلات، حيث بلغت 11.5 لكل 100 ألف شخص.

ويبلغ عدد المتوفين من الرجال بالانتحار في البلدان المرتفعة الدخل نحو ثلاثة أمثال عدد النساء، عكس البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط، حيث تميل كفة المعدل إلى التساوي بدرجة أكبر. وكان الانتحار هو ثاني الأسباب الرئيسية للوفاة في أوساط الشباب ممن تتراوح أعمارهم بين 15 و29 عاما، بعد إصابات الطرق. وفي أوساط المراهقين ممن تتراوح أعمارهم بين 15 و19 عاما، كان الانتحار هو ثاني الأسباب الرئيسية للوفاة بين الفتيات (بعد اعتلالات الأمومة)، وثالث الأسباب الرئيسية للوفاة لدى الفتيان (بعد إصابات الطرق والعنف بين الأفراد). الصحة النفسية جزء لا يتجزأ من الصحة العامة، ولا تكتمل الصحة دون الصحة النفسية.

والصحة النفسية تتأثر بالعوامل الاجتماعية، الاقتصادية، البيولوجية، والبيئية، وأن نصف الأمراض النفسية تبدأ قبل سن 14 عاما. ويعاني شخص واحد من أصل كل أربعة أشخاص حول العالم، شكلا ما من أشكال الاضطرابات الصحية النفسية.

وتعتبر الحروب والكوارث أحد العوامل الرئيسية التي تؤثر في الصحة النفسية. وتعد الاضطرابات النفسية، وتعاطي المخدرات سببا رئيسيا للعجز في جميع أنحاء العالم. ويعاني نحو 20% من الأطفال والمراهقين حول العالم اضطرابات، أو مشكلات نفسية. ويمتنع كثير من المصابين بالأمراض النفسية عن محاولة الحصول على الرعاية الصحية، أو حتى العلاج؛ بسبب الخوف من نظرة المجتمع لهم.

والأساليب الأكثر شيوعا للانتحار هي الشنق، والتسميم الذاتي بمبيدات الآفات، والأسلحة النارية. أما التدخلات الأساسية التي أثبتت نجاحا في الحد من حالات الانتحار فهي تقييد إتاحة الوسائل المستخدمة؛ وتوعية وسائط الإعلام بشأن تقديم تقارير مسؤولة عن الانتحار؛ وتنفيذ برامج في أوساط الشباب لصقل المهارات الحياتية التي تمكنهم من التأقلم مع الضغوط المعيشية؛ وتحديد الأشخاص المعرضين لخطر الانتحار والتدبير العلاجي لحالاتهم ومتابعتهم في مرحلة مبكرة.

ويشير تقرير الصحة العالمية، إلى أن تنظيم الرقابة على مبيدات الآفات استراتيجية غير مستخدمة بالقدر الكافي رغم شدة
فعاليتها. وأن التدخل الذي ينطوي على أقصى الاحتمالات الوشيكة لتقليص عدد حالات الانتحار هو تقييد إتاحة مبيدات الآفات المستخدمة للتسميم الذاتي. فالسمية العالية لكثير من مبيدات الآفات تعني أن محاولات الانتحار من هذا القبيل غالبا ما تؤدي إلى الوفاة، لاسيما في الحالات التي لا يوجد فيها ترياق مضاد للسموم أو لا تتوافر فيها مرافق طبية قريبة. وكما هو مبين في منشور المنظمة بعنوان منع الانتحار: مورد للجهات المنوط بها تسجيل مبيدات الآفات وتنظيم الرقابة عليها، هناك حاليا مجموعة متنامية من البينات الدولية التي تشير إلى أن وضع لوائح تنظيمية لحظر استعمال مبيدات الآفات العالية الخطورة يمكن أن يفضي إلى خفض المعدلات الوطنية للانتحار.

وتعد سريلانكا أفضل البلدان التي تمت دراستها، حيث أدت سلسلة من عمليات الحظر إلى تراجع بنسبة 70% في حالات الانتحار وإنقاذ أرواح ما يقدر بنحو 93 ألف شخص بين عامي 1995 و2015. وفي جمهورية كوريا – حيث استأثر مبيد الأعشاب “باراكوات” بالغالبية العظمى للوفيات الناجمة عن الانتحار بمبيدات الآفات في الألفية الثانية – أسفر حظر مبيد الأعشاب “باراكوات” في عامي 2011 و2012 عن تقليص معدل الوفيات بالانتحار من جراء التسمم بمبيدات الآفات إلى النصف ما بين عامي 2011 و2013.

وأن التسجيل الآلي والرصد المنتظم للانتحار على المستوى الوطني هما الدعامة التي تستند إليها فعالية الاستراتيجيات الوطنية لمنع الانتحار. إلا أن 80 دولة فقط من الدول الأعضاء في المنظمة البالغ عددها 183 دولة والتي صدرت تقديرات بشأنها في عام 2016 كانت لديها بيانات ذات نوعية جيدة للتسجيل الحيوي. وكانت معظم البلدان التي افتقرت إلى تلك البيانات من البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط. ومن شأن تحسين الترصد على نحو أفضل أن يتيح وضع استراتيجيات أكثر فعالية لمنع الانتحار والإفادة بشكل أدق عن التقدم المحرز نحو تحقيق الأهداف العالمية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.