محمد رأفت فرج يكتب: بين الجهاد الأصغر والجهاد الأكبر

إن الجهاد في الإسلام لا يقتصر فقط على حمل السلاح ومواجهة العدو الذي يريد بنا شرًا والاعتداء على النفس أو الأرض أو المال أو العرض، لكن الجهاد في الإسلام له مفهوم واسع وشامل، فمن اعتقد أن الجهاد هو هذا المفهوم فقط فقد ضيق واسعًا، ولكن الجهاد له أنواع كثيرة، فرعاية الوالدين جهاد، والسعي على رزق الأولاد جهاد، ومكافحة هوى النفس جهاد، ورد كيد الشيطان ووساوسه جهاد، وطلب العلم جهاد، لذا ينبغي على المرء أن يدرك أن كل سبل الحياة التى يعيشها الإنسان جهاد، حتى وإن لم يحدث فيه قتال.
ومن أعظم أنواع الجهاد هو جهاد النفس، وقد سماه الرسول صلى الله عليه وسلم، الجهاد الأكبر، لما يبذله من جهد ومشقة وعناء في تهذيبها خاصة أن النفس تعلم عن الإنسان كل صغيرة وكبيرة، ومنها ما بينه المصطفى صلى الله عليه وسلم فيما قاله بعد فتح مكة “لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية”، وكان صلى الله عليه وسلم إذا عاد من معاركه وغزواته كان يقول رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر، يقصد جهاد النفس.
إن مسلك الطريق المستقيم والصراط المستقيم للنفس وتقويمها هو خير جهاد في سبيل الله فالإنسان فيها يجاهد شهواته، والشيطان ووساوسه، خاصة أن الشيطان قد توعد آدم وذريته بالجلوس لهم على صراط الله المستقيم، وبالتالي لن ينجوا الإنسان إلا إذا تسلح بالإيمان الصادق والعزيمة الراسخة التى من خلالها يستطيع أن يغلب هوى نفسه ووساوس الشيطان، فقد قال إبليس مقسمًا بعزة الله أن يقعد لآدم وذريته طريقهم المستقيم إلا المخلصين الذين يستعينون بالله عليه وصدقوا في نية جهادهم لله عز وجل للانتصار عليه، لذلك قال الله تعالى ” إن عبادي ليس لك عليهم سلطان”.
كذلك من أنواع الجهاد أن يعمل الإنسان على بر والديه، فالبر بالوالدين هو نوع من أنواع الجهاد، وقد أرشد إليه الرسول صلى الله عليه وسلم أحد الصحابة الكرام الذي جاء للجهاد معه في إحدى غزواته فسأله الحبيب المصطفى عن والديه فطلب منه أن يقوم على رعايتهما فيكون له أجر الجهاد كما جاء في الحديث وعن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قال أقبل رجل إلى نبي اللَّه – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم – فقال: أُبَايعك على الهِجْرَة والجهاد؛ أبتغي الأجر من اللَّه تعالى. فقال: ((فَهَلْ مِنْ وَالِدَيْكَ أَحَدٌ حَيٌّ؟ قال: نَعَم؛ بَلْ كلاهما. قال: ((فتَبْتَغِي الأَجْرَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى؟)) قال: نَعَم. قال: ((فَارْجِعْ إِلى وَالِدَيْكَ فَأَحْسِنْ صُحْبَتَهُمَا)) متفق عَلَيْهِ. وهذا لفظ مسلم. وفي رِوَاية لهما: جاء رجل فاستأذنه في الجهاد فقال: ((أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟)) قال: نعم. قال: ((فَفِيهما فَجَاهِدْ)). ( رواه البخاري ومسلم).
كذلك الإنسان إن خرج يسعى ليطعم أولاده، ويحفظ نفسه من سؤال الناس، فإنه ينال أجر المجاهد في سبيل الله، فقد مر النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ على رجلٌ فرأى أصحابُ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ من جلَدِه ونشاطِه فقالوا: يا رسولَ اللهِ لو كان هذا في سبيلِ اللهِ؟! فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: إنْ كان خرج يسعى على ولدِه صغارًا فهو في سبيلِ اللهِ وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيلِ اللهِ وإنْ كان خرج يسعى على نفسِه يعفُّها فهو في سبيلِ اللهِ وإنْ كان خرج يسعى رياءً ومفاخرةً فهو في سبيلِ الشيطانِ، كذلك فإن حسن تربية الأبناء وخاصة البنات موجب من موجبات الجنة لما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم فى حديثه الشريف: «من كَانَ لَهُ ثلاث بَنَاتٍ فَصبر عَلَى لأوَائِهِن وَضَرائِهِن وَسَرّائِهِنَّ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُنَّ فَقَالَ رَجُلٌ أَوْ ثِنْتَانِ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَوْ ثِنْتَانِ فَقَالَ رَجُلٌ أَوْ وَاحِدَةٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَوْ وَاحِدَةٌ».
وختامًا نقول إن الله سبحانه وتعالى يريد أن يعطى كل إنسان أجر المجاهد طالما أنه يسعى لذلك الفضل فالأمر لا يتوقف عند جهاد القتال، فأمانة الكلمة جهاد، ورعاية الوالدين جهاد وطلب العلم جهاد، وتربية الأبناء جهاد، فميادين الجهاد كثيرة لو يعلم الناس، فجاهدوا في الله حق جهاده، جاهدوا أنفسكم بإبعادها عن كل معصية ورذيلة ونوروها بالطاعات، فالنفس تحتاج إلى مشقة عظمى في الجهاد ولله در القائل:
إني بليت بأربع ما سلطوا … إلا لأجل شقاوتي وعنائي
إبليس والدنيا ونفسي والهوى … كيف الخلاص وكلهم أعدائي
إبليس يسلك في طريق مهالكي … والنفس تأمرني بكل بلائي
وأرى الهوى تدعو إليه خواطري … في ظلمة الشبهات والآراء

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.