د. هدى درويش تكتب: فقه التعايش بين الأديان

بمناسبة الاحتفال باليوم العالمي للتسامح والذي يوافق السادس عشر من نوفمبر فإننا نؤكد أنه إذا كان العالم قد خصص يوما للاحتفال بالتسامح فإن المجتمع المصري يحيا هذا التسامح على مدار العام كله. فمنذ بداية الدعوة الإسلامية والعلاقة بين الإسلام والمسيحية تتسم بطابع إيجابي فعال ، ومارس الإسلام التعامل مع المسيحية من منطلق القواسم المشتركة والاحترام الكبير و قد تمثل ذلك في دعوة رسول الله لأصحابه بالهجرة إلى الحبشة ، فوجدوا لدى النجاشي المسيحي موئلا وكرامة.
فآيات القرآن الكريم التي تحدث فيها المولى عز وجل عن السيد المسيح وأمه السيدة مريم العذراء ستظل شاهدة على تلك المكانة العظمى التى تحتلها السيدة مريم فى نفوس و قلوب المسلمين فالسيدة مريم هى من تقبلها الله بقبول حسن واصطفاها وجعلها سيدة نساء العالمين لعبادتها وقنوتها وتسليمها لله .
وهى التى جاء فى حقها قول رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : (حسبك من نساء العالمين: مريمُ ابنة عمران ، وخديجة بنت خويلد ، وفاطمة بنت محمد ، وآسية امرأة فرعون) ولننظر إلي الرسول صلى الله عليه وسلم كيف بدأ الحديث بالسيدة مريم عليها السلام .
هذا الى جانب تعلق أفئدة المسلمين بروح وعبادات ومعاملات السيد المسيح عليه السلام . وقد تضمن العهد الذي كتبه النبي صلى الله عليه وسلم على نفسه والمسلمين إلى أهل نجران وأتباع المسيحية معاني الحب والتكريم والعطاء والتضحية ، فجاء فيه : ( إن علي أن أحمي جانبهم وأذبّ عنهم وعن كنائسهم وبيعهم وبيوت صلواتهم ومواضع الرهبان – أن أحرس دينهم وملتهم أين ما كانوا ؛ من بر أو بحر، شرقا وغرباً، بما أحفظ به نفسي وخاصتي، وأهل الإسلام – وأن أدخلهم في ذمتي وميثاقي وأحميهم من كل أذى ومكروه. وأن أكون من ورائهم، ذابا عنهم كل عدو يريدني وإياهم بسوء، بنفسي وأعواني وإتباعي وأهل ملتي ) . تلك هى الرحمة النبوية المهداة من رب العالمين الى البشرية بأسرها .وتلك هى الأخلاق المحمدية التى نتوسم أن نقتدى بها .
وإذا نظرنا إلى القواسم المشتركة في النصوص الواردة في الإنجيل وما يقابلها من آيات القرآن الكريم نجد مفهوم التسامح حتى مع الأعداء ماثلاً أمامنا.
جاء في إنجيل متى : أحبوا أعداءكم ، باركوا لاعنيكم وأحسنوا معاملة الذين يبغضونكم ، وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويضهدونكم .
وهذا النص تقابله الآية القرآنية : ( ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولى حميم ) .
كما توجد نصوص من الإنجيل تقابلها بنفس المعنى آيات فى القرآن الكريم لفظا ومعنى . مثال ذلك ما ورد فى انجيل لوقا: ” لأن دخول جمل من ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غني إلى ملكوت الله ) و النص القرآني الذي يقابله نجده في قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ) ) الأعراف:40(
وفى الحث على فعل الصدقة المخفية جاء في متى: “عندما تتصدق على أحد ، فلا تدع يدك اليسرى تعرف ما تفعله اليمنى “.
ويقابل هذا النص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله حيث قال : ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه وهذه النصوص إن دلت على شيء فإنما تدل على التوافق الروحى بين الديانتين .
ومن هنا فإن من واجبنا أن نتفهم وحدة المشترك التى تجمع ولا تفرق وأن نعمل معًا على إزالة ما يشوب المسار المشترك من تشويش ، ومعلومات خاطئة أو مغلوطة تروجها فئة لا تتحرى الدقة والموضوعية ، وانما تحاول الفرقة واثارة الفتن والضغائن.
والحقيقة فإن الواقع الموضوعي المعاش يفرض علينا العمل من أجل تفعيل القيم الدينية التي أمرنا بها ربنا ، كما انه من المجدي أن نستلهم الواقع والمشترك والقيم الواحدة لتقودنا للبناء والتطور ، فنحن نواجه مصيرا واحدا مشتركا حاضرا ومستقبلا ، وإن علينا أن نتناول خصوصياتنا الإيمانية بوعي وتفهم واحترام ، ولن يتحقق ذلك إلا بالالتزام بتعاليم شرائعنا بعيدا عن عبث العابثين ، فالحقيقة التى لا يُخْتَلَف عليها أن وطننا واحد وإلهنا واحد .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.